اعتدال وإيجابية النبي ﷺ

من الموسوعة الميسرة في التعريف بنبي الرحمة ﷺ
اعتدال وإيجابية النبي ﷺ

أبرز ما يتمثل الاعتدال لدى محمد ﷺ في الشريعة التي جاء بها ودعا إليها.
فمن تأمل أحكام الشريعة، والعقائد التي دعا إليها محمد ﷺ في كل مجال من مجالات الحياة رأى الاعتدال فيها واضحًا، ورآها مجانبة للتطرف والغلو.
ويبدو ذلك في مجال الاعتقاد وأبوابه، وفي مجال التعامل مع الإنسان، فهي لا تراعي جانبًا وتُهمِل الآخر، إنما تتناول الإنسان من خلال مجالات شخصيته ومكوناته كافة فتُعنَى بصلته بربه، وبعقله، وبجسمه، وتواصله مع الآخرين .
تُعنَى بالإنسان بوصفه فردًا و باعتباره عضوًا في المجتمع، فلا تنحاز للفرد على حساب مصالح المجتمع، ولا تلغي شخصية الفرد لأجل مصالح المجتمع.
كما يتمثل الاعتدال في سماته وشخصيته ﷺ، فلم يعرف لديه سمة من سمات التطرف والغلو.
كما أن سماته الإيجابية كانت بقدر الاعتدال؛ فقد كان محمد ﷺ حليمًا، لكن الحلم الذي لا يصل إلى الضعف، فحين يتطلَّب الأمرُ قوةً وشجاعةً كان كذلك.
وكان كريمًا سخيًّا، لكن الكرم والسخاء لا يقوده إلى التبذير والإسراف وكان حييًّا شديد الحياء، لكن الحياء لا يمنعه من الجرأة في تعليم الناس أمور دينهم مما يُستحيَا منه.
وهكذا سائر الخصائص والسمات.
وأخبر محمد ﷺ أن الله بعثه بدين وسط، دين تتجلى فيه السماحة والاعتدال، لذا فقد قال عنه: «بُعثْتُ بالحنيفية السمحة».
وقد كان محمد ﷺ يدعو أصحابه إلى الاعتدال، ومجانبة الغلو والتطرف أيًّا كان شأن هذا الغلو؛ لأن الناس في حرصهم على التقرب إلى الله قد يبالغون في العبادة، وقد يجانبون الاعتدال؛ فأمر ﷺ بالاعتدال والتوسط، وضرب لذلك مثلاً؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سدِّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا».
فضرب لهم المثل بمن يرمي السهم على هدف معين؛ فعليه أن يجتهد في التسديد ولو قارب الهدف فلم يصبه، وهكذا الإنسان عليه أن يجتهد في الطاعة بالقدر الذي ورد في الشريعة، ولا يبالغ في ذلك.
وحين كان يعلِّم أصحابه أحكام الدين وشعائره كان يعرف أنه قد يوجد من أتباعه من قد يجنح إلى الغلو فيحذر من ذلك، ويؤكد عليه الالتزام بما جاء في الدين دون تكلف أو زيادة.
عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة، وهو على راحلته: هاتِ القُط لي ، فلقط له حصيات، هي حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: «بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُ في الدين».
وحين سألوه عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله – تبارك وتعالى – أكّد على مبدأ الاعتدال والقصد، وأمرهم بأن يأخذوا من الأعمال ما يطيقون فِعْلَه دون أن يشقُّوا على أنفسهم.
فعن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: سُئِل النبي ﷺ: أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: «أدْوَمها وإن قلَّ»، وقال: «اكْلَفُوا من الأعمال ما تطيقون».
ويذم محمد ﷺ أولئك الذين يبالغون في الدين ويتنطعون؛ إما بتحريم ما لم يحرِّمه الدين، أو بإيجاب ما لا يوجبه، أو بالتكلف والمغالاة في التطبيق على خلاف الشريعة.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «هلك المتنطعون؛ قالها ثلاثًا».
وفي ممارسته العملية للعبادات كان يراعي القصدَ والاعتدال، ويتمثل ذلك في أهم شعيرة عملية تتكرر كل يوم مرات عديدة، ألا وهي الصلاة ومثلها الخطبة.
فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا.
وظهر أثر هذه التربية التي اتبعها محمد ﷺ على أصحابه وأتباعه؛ فقد كانوا يفقهون الدين، وما جاء فيه من اعتدال ووسطية.
نلحظ ذلك في موقف حصل بين رجلين من أصحابه، بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي- رضي الله عنهما-.
فعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَة؛ فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كُلْ. قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال : فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال النبي ﷺ: «صدق سلمان».
كما يوجه محمد ﷺ أولئك الذين يتطوعون إلى الله بالصلاة من الليل ألا يشقوا على أنفسهم؛ فإذا قام أحدهم من الليل ليصلي، ورأى أنه مُجْهَد ومُتْعَب، فلْيَنَم حتى يأخذ راحته، فيصلي وهو مطمئن البال، ويقرأ القرآن وهو يعي ما يقرأ.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يَدْرِِ ما يقول فليضطجع».
وعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسبّ نفسه».
ورغم اعتناء محمد ﷺ بتعليم أمته الاعتدال والوسطية؛ فقد وقعت حالات وهي نادرة تجاوز فيها بعض أصحابه الوسطية، وجنحوا إلى مبالغة وغلو.
فحين علم محمد ﷺ بذلك بادر بعلاجه، وأخبر أن الدين قائم على الاعتدال والوسطية، وأن اجتهاد هؤلاء لم يكن في مكانه.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ويتكرر الأمر مع عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- وكان شابًّا نشيطًا حريصًا على العبادة، لكنه بالغ في ذلك فدعاه محمد ﷺ وحاوره.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله! ألم أُخْبَرْ أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت؛ بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزَوْرِك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها؛ فإن ذلك صيام الدهر كله» قال عبد الله: فشددت فشُدِّد عليّ .
قلت : يا رسول الله! إني أجد قوةً. قال: «فصم صيام نبي الله داود – عليه السلام- ولا تزد عليه». قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: «نصف الدهر» . فكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي ﷺ.
وعن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: خرجت ذات يوم لحاجة فإذا أنا بالنبي ﷺ يمشي بين يدي فأخذ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعًا، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي، يكثر السجود والركوع، فقال النبي: أتراه يُرَائي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فترك يده من يدي، ثم جمع بين يديه، فجعل يصوبهما ويرفعهما ويقول: «عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هدْيًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا، فإن من يشادّ هذا الدين يغلبه».
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت فقال النبي ﷺ: «لا، حُلُّوه، لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد».
وعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها قال: «مَهْ عليكم بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا»، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه.
ولنسأل أنفسنا لِمَ انزعجَ رسول الله ﷺ من هذا، وردَّ هذا الرد الحاسم، إنه يغلق باب التطرف وأشكاله كافة، حتى لو كان تطرفًا في العبادات، فهذا مخالف لمنهج الإسلام في الاعتدال والتوسط.
لقد علَّمهم أن الله – عز وجل – حينما شرع العبادات جعلها وسائل لتهذيب النفوس، واقترابها من ربها، ولم يجعلها تبتُّلاً ورهبانية وانقطاعًا عن العالم الحي، لقد أراد منا العبادة بالشرائع والتكاليف، وأراد منا أن نمارس حياتنا المادية والاجتماعية، ومن ينقطع عن إحداهما فهو مجانب للصواب، ولئن فعل أولئك النفر الثلاثة ما ودوا فِعْله واقتدى بفعلهم الناسُ، وظنوا أنه الصواب فمَن حينئذ يُصلِح الكون، ومن يُعبِّد هذا الكون لله، وما مهمة المسلمين حينئذ إن تركوا الدنيا وتفرغوا في الصوامع؟!
وسبب آخر:
إلى متى يستطيع الإنسان أن يكمل هذا الطريق؟! أليس الجسم بحاجة إلى الطعام والشراب، وبحاجة إلى النوم والراحة، أليس الرجل بحاجة إلى المرأة ليسكن إليها؟!
إلى متى يستطيع المتطرف أن يتحمل؟ إنه لن يكمل الطريق؛ لأن الطبيعة البشرية تمنعه، ستُلِحّ عليه وستطالبه بتأدية مطالبه، وتحققها رغمًا عنه، وسيشعر بالألم حينها، وربما يقع في الإثم فعلاً؛ لأنه عندما حرَّم بعضُ الناس على أنفسهم الزواج تعبدًا ورهبانية ظهرت بينهم موبقات كثيرة، فالجسد لن يتحمل حتمًا ما هو ضد فطرته.
الخطورة الأكبر أن هذا المتطرف إذا ما قُدِّر له وتخلى عن تطرفه يومًا سيتخلى عنه كلياً وقد لا يعود إلى الاعتدال بحال، بل سيعود إلى التطرف المعاكس، ولهذا حسم النبي ﷺ هذا الأمر الذي ظنَّه بعض الناس زيادة، ولكنه نقصان، وأيُّ نقصان.
اعتدال في مجالات الحياة:
والاعتدال الذي دعا إليه محمد ﷺ ليس قاصرًا على أمور العبادة وصلة العبد بربه فحسب، بل نجد أنه ﷺ يؤكد على هذا المعنى في توجيه الإنسان في حياته الشخصية، في مجال الطعام والشراب.
فعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أُكلات يُقمِن صُلْبه، فإن كان لا محالة: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثُلُث لنفَسه».
وقد أكد القرآن الكريم الاعتدال في الطعام والشراب، فقال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: ٣١).
وفي دعاء محمد ﷺ لربه ما يؤكد على هذا الاعتدال في أمور الحياة كلها.
يروي لنا صاحبه عمار بن ياسر – رضي الله عنهما – دعاءً كان يدعو به ﷺ وفيه: «اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى».
فهو في هذا الدعاء يسأل ربه أن يرزقه مخافته والتزام أمره حين يراه الناس وحين يخلو بنفسه، ويسأله أن يقول كلمة الحق دومًا في حال الرضا وفي حال الغضب، وأن يكون مقتصدًا معتدلاً في إنفاقه في حال الفقر وحال الغنى.

94 إجمالي المشاهدات, 1 مشاهدات اليوم

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *